السلمي
13
المقدمة في التصوف
عليك ، ألا قبضتني بين الخطوتين . . . وسجد ، فمكث طويلا ، فلم يبرح ! فنظرت ، فكأنه لم يكن ، فلم أنكر على محب بعد ذلك . . . . سأل ذو النون المصري امرأة عابدة في تيه بني إسرائيل عن المحبة ، فقالت : ليس لها ابتداء فتدرى ، ولا انتهاء فتدرك ، لأن المحبوب لا نهاية له ! فأول الحب على الكل ، وأوسطه على القناعة ، وليس لآخره غاية . . . ثم غشي عليها ، ثم أفاقت وهي تقول : أحب اللّه قوما فاستقاموا * على طرق الوداد فلم يناموا سقاهم بالصفا من كأس ود * فصاموا في محبته وقاموا الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [ البقرة : 27 ] . أنهم نظروا إلى سواه بعد ما نظروا إليه بعين المحبة ! وللشبلي : جور الهوى أحسن من عدله * وبخله أظرف من بذله لو عدل الحب لأهل الهوى * لمات كل الخلق من عدله . . . فصاحب المحبة ، ساعة يطلب وساعة يهرب ، وساعة يحزن وساعة يطرب ، ليس له حال ولا أمر قائم ، وكيف يدوم حال من يذبح ساعة ويحيا ساعة ، ويشقى ساعة ويغنى ساعة ، ويكشف عن فؤاده ساعة ، ويحجب عن مراده ساعة . قال ذو النون ، رحمه اللّه : وتمنيت أن أراك فلما رأيتكا * غلبت دهشة السرور فلم أملك البكا والمحبة نار ، والشوق لهيبها . . أوحى اللّه إلى داود عليه السلام : يا داود ، من طالبني قتلته في هواي شوقا إلى لقاي ، ومن أحبني أحببته ، أي أشغفته حتى لا صبر له دوني . حكي أن أبا الحسين النوري جاء إلى الجنيد ، فقال : بلغني أنك تتكلم في شيء من المحبة ، فتكلم فيما أثبت حتى أرده عليك ! فقال الجنيد : أحكي بدء الحكاية . . كنت أنا وجماعة من أصحابنا في بستان ، فأبطأ علينا من يجيئنا بما نحتاج إليه ، فصعدنا بطلع ، وإذا بضرير معه غلام جميل الوجه ، والضرير يقول له : أمرتني يا هذا بكذا وكذا . . ونهيتني عن كذا وكذا فتركت ، وما خالفتك في شيء تريده ، فماذا تريد مني ؟ ! فقال الغلام : أريد أن تموت ! فقال الضرير : ها أنا ذا أموت . . وتمدد وغطى وجهه .